الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

250

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

عبد اللّه الزبير وهما من الموعودين بالجنّة والمبشّر . قاتل أحدهما بالنار في الآخرة ، وتشريدك بأم المؤمنين عائشة واحلالها محل الهون . مبتذلة بين الأعراب ، وفسقة أهل الكوفة ، فمن بين منتهد لها وساخر منها . أترى ابن عمّك كان بهذا لو رآه راضيا أم كان يكون عليه ساخطا ، ولك عنه زاجرا ، أن تؤذي أهله ، وتشرّد بحليلته ، وتسفك دماء أهل ملتّه . ثم تركك دار الهجرة الّتي قال رسول اللّه عنها « انّ المدينة لتنفي خبثها . كما ينفي الكير خبث الحديد » فلعمري لقد صدق وعده وصدق قوله ، ولقد نفت خبثها ، وطردت عنها من ليس بأهل أن يستوطنها ، فأقمت بين المصرين ، وبعدت عن بركة الحرمين ، ورضيت بالكوفة بدلا من المدينة ، وبمجاورة الخورنق والحيرة عوضا من مجاورة خاتم النبوّة ، ومن قبل ذلك ، ما عيّبت خليفتي رسول اللّه أيّام حياتهما . فقعدت عنهما ، وألببت عليها وامتنعت من بيعتهما ، ورمت أمرا لم يرك اللّه له أهلا ، ورقيت سلّما وعرا ، وحاولت مقاما دحصا وادّعيت ما لم تجد عليه ناصرا ، ولعمري لو وليتها حينئذ لما ازدادت إلّا فسادا واضطرابا ، ولا أعقبت ولا يتكها إلّا انتشارا وارتدادا . لأنّك الشامخ بأنفه ، الذاهب بنفسه ، المستطيل على الناس بلسانه ويده ، وها أنا سائر إليك في جمع من المهاجرين والأنصار ، تحفّهم سيوف شاميّة ، ورماح قحطانية ، حتّى يحاكموك إلى اللّه ، فانظر لنفسك والمسلمين ، وادفع إليّ قتلة عثمان . فإنّهم خاصّتك وخلصاؤك ، والمحدقون بك ، فإن أبيت الّا سلوك سبيل اللجاج ، والإصرار على الغيّ والضلال ، فاعلم أنّ هذه الآية نزلت فيك ، وفي أهل العراق معك : ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذاقَهَا اللّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 1 ) .

--> ( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 201 ، والنقل بتصرف يسير ، والآية 112 من سورة النحل .